مركز وثائق الثورة الإسلامية

رمز الخبر: 67
سلسلة أبحاث ينشرها مركز وثائق الثورة الإسلامية...
نظرا إلى خطاب سماحة قائد الثورة يوم أمس حول ضرورة قراءة الشباب وثائق وكر التجسس الحاملة للعبر، نبذل سعيا في هذه المقالات لإلقاء نظرة على ذلك الجزء من تاريخ العلاقات الإيرانية الأمريكية قبل انتصار الثورة الإسلامية العظيمة، مستخدمين نصوص وثائق وكر التجسس في هذا المجال، يبقى القول صحيحا ان جرائم أمريكا أكثر مما يمكن متابعتها في هذه الوثائق والقيام بإحصائها من هذا المنطلق تم الإرجاع في بعض الأحيان إلى الوثائق والمصادر الأخرى.
2015 November 07 - 10:35 : تأريخ النشر

الموقع التحليلي لمركز وثائق الثورة الإسلامية؛ "بعد الشاه يحين دور أمريكا". عبارة ظهرت مرارا في الأيام الأخيرة القريبة من انتصار الثورة الإسلامية، على لسان الكثير من الناس، إذ انهم كانوا على معرفة بتاريخ أمريكا المليء بالجرائم والخيانات في إيران، و كانوا يعرفون بان الشاه يعقد آمالا على دعم أمريكا في قمع الشعب الإيراني.
4- الولايات المتحدة الأمريكية وبذل المساعي لتغيير البنية الاقتصادية والتنمية
بعدما وضعت الحرب الكونية الثانية أوزارها واجهت الولايات المتحدة الأمريكية تغييرات كبيرة وواسعة النطاق في الجانب السياسي والاقتصادي والفكري، فاختلت موازين القوى. ان انتصار الاتحاد السوفيتي في الحرب وانتشار الأفكار الشيوعية، التي كانت تهدف إلى تقديم الدعم للشعوب المحرومة والطبقات الاجتماعية المعرضة للخطر كما انها رفعت هذا الشعار فواجهت تقدما في الدول الأخرى شرق العالم وغربها، فواجهت الولايات المتحدة الأمريكية تهديدا كبيرا يستهدف مصالحها في المجتمعات الأخرى والدول الأخرى التي كان لها نفوذا فيها، وان فكرة مواجهة تلك الأفكار الشيوعية والقضاء عليها أصبح من أهم خطط الحكام في الولايات المتحدة الأمريكية.
من أهم المشاريع التي رأت النور في هذا المجال وتم تنفيذها وتطبيقها كانت أطروحة ترومان التي قامت بشرح الأوضاع السائدة على العالم والظروف العالمية وعبرت عن قلقها تجاه مصالح الولايات المتحدة الأمريكية في الدول الأخرى، أما فيما يتعلق بمواجهتها خطر الشيوعية فطالبت الأطروحة بتوفير المصادر المالية الكبيرة لتقديم العون للدول التي تخضع لنفوذ الولايات المتحدة الأمريكية بغية حلحلة المشاكل الاقتصادية التي تعاني منها تلك الدول.
من أكثر القضايا جوهرية في أطروحة ترومان هي المادة الرابعة التي تطرقت إلى القضية المشار إليها أعلاه، وطالبت بتخصيص المصادر المالية الكبيرة لتقديم الدعم للمشاريع التي يمكن تنفيذها في الدول التي كانت تتعرض لخطر نفوذ وتغلغل الأفكار الشيوعية أكثر مما سواها من بلدان.
في تلك القضية الشاملة والقاعدة العامة أصبحت الدول الواقعة في منطقة الشرق الأوسط وبالتحديد إيران أصبحت في بؤرة الاهتمام ومركزها. ان الإصلاحات الأرضية التي أنجزت على يد الشاه والحكومات التي تولت الأمور في تلك الفترة جاءت في هذا الإطار وتلبية لتلك القاعدة الأمريكية.
من أهم نتائج إصلاحات الأراضي الاقتصادية هي توجيه الضربة والصفعة على الإنتاج في المجال الزراعي وتحقيق الاكتفاء الذاتي في البلاد في مجال إنتاج المنتجات الغذائية، وبسبب تنفيذ الإصلاحات تلك، تنفيذا خاطئا، لم تتحسن عملية إنتاج المحاصيل والمنتجات الزراعي ومعاش وحياة أهل القرى، بل تم تدمير أراضي الكثير من المزارعين بسبب تقسيم الأراضي الزراعية أو بسبب كون العمل فصليا وعدم تخصيص الأراضي لهم، أصبحوا عاطلين عن العمل، فغادروا القرى واتجهوا للمدن ليقطنوا فيها. هذا الأمر أدى إلى هجرة الكثير والكثير من القوى العاملة من القرى إلى المدن.
سماحة الإمام الخميني قدس سره ولأسباب كثيرة قد عارض الإصلاحات الأرضية نشير فيما يلي إلى بعض منها:
1- ان الإصلاحات الأرضية تمت بأمر من الولايات المتحدة الأمريكية وتهدف إلى بناء سوق تبيع هناك بعض السلع أي تأكل زراعتنا ونصبح محتاجين.
2-  ان الإصلاحات الأرضية تعني بناء السوق للولايات المتحدة الأمريكية وعملاء الولايات المتحدة الأمريكية فلا يتم رمي القمح في البحر، انهم يعطون القمح ويأخذون المال بدلا منه.
3- ان الإصلاحات الأرضية كانت من أكبر أشكال الخيانة والغدر التي نفذها لاستهداف البلاد حيث يتم تدمير زراعة البلاد كاملة، وان يصبح المزارعين فقراء، وهذا ما تم إذ أصبح المزارعون يهاجرون إلى المدن أفواجا، هناك الكثير من المزارعين الفقراء من جاء من الأطراف والأرياف، وسكنوا في البيوت والصفائح وفي أوضاع مأساوية وان يسكنون حاليا بعوائلهم في الشتاء القارس والصعب، تلك الأمور كلها تعتبر خيانة لهذا الشعب.
ان تنفيذ الإصلاحات الأرضية كان السبب وراء تقليل الكثير من المحاصيل الزراعية في البلاد بشدة وذلك بعد فترة من تنفيذها، وان إيران أصبح محتاجا إلى الولايات المتحدة الأمريكية في مجال استيراد أغلبية المحاصيل.
ان أكثر التداعيات كارثية في مجال الإصلاحات الأرضية تجلى في إنتاج القمح والشعير. فبينما كانت إيران سنويا تنتج ما يقارب 7 ملايين طن من القمح والشعير، تم خفض مستوى الإنتاج بعد تنفيذ الإصلاح الأرضية إلى 4 ملايين طن، وان القمح الأمريكي عوض عن قلة إنتاج القمح داخليا.
ان تلك الإصلاحات الأمريكية الإسرائيلية ومع انها كانت من منظار بعض العوام والمزارعين في بداية الأمر مجدية ومفيدة، وكان بالإمكان ان تجعلهم يمتلكون أراضي ويصبحون ملاكا، لكن بسبب انها قد خطط لها خارج البلاد وتستهدف تحقيق مصالح الدول الأجنبية، لم تترك تأثيرا ولا بصمة على حياة الطبقة القروية بل أدت إلى بطالة المزارعين وهجرة هذه الطبقة الكبرى إلى المدن الكبرى. فان أكبر المنافع والمصالح جراء تنفيذ هذا المشروع قد ربحته الشركات الأمريكية والإسرائيلية، إذ تحولت إيران إلى سوق لسلعهم.
5-تطوير المناسبات الاقتصادية- العسكرية بين إيران و الولايات المتحدة الأمريكية بهدف البقاء على الشاه
ان ارتفاع أرباح النفط الكبير ورغبة الشاه بشراء الأسلحة العسكرية من الولايات المتحدة الأمريكية كان من منظار الكثير من الإيرانيين يعتبر علامة جيدة لخدمة الشاه الولايات المتحدة الأمريكية وفقدان البلاد استقلالها. في نهاية المطاف ان هذا الشعور العام كان من مصادر التغرب الكبيرة ونفور الناس من نظام الشاه، وان المجتمع المغترب والنظام العميل أي نظام الشاه انهار على يد نهضة إسلامية منبثقة عن عمق المجتمع وخارجة عن صميمه، في الواقع ان نفور الإيرانيين من الولايات المتحدة الأمريكية كان سببه صورة رسمت في مخيلة الناس بان الولايات المتحدة الأمريكية قام بتجريح مشاعر الناس من خلال ما قدمته من دعم اقتصادي وسياسي لنظام الشاه وكذلك الشعور بالعزة واستقلال إيران.
في الثلاثين من خرداد عام 1326 أي أسبوعين بعد تنفيذ مشروع مارشال على يد الولايات المتحدة الأمريكية تم الإبرام على اتفاقية حول شراء معدات عسكرية بمبلغ يصل إلى 10 ملايين دولار بين إيران و الولايات المتحدة الأمريكية.
ان هذه الاتفاقية تعتبر أو اول اتفاقية عسكرية بين إيران و الولايات المتحدة الأمريكية بعد انتهاء الحرب الكوني الثاني في مجال شراء الأسلحة. في تلك الفترة لم يحرك عقد مثل هذا العقد الضخم بين إيران و الولايات المتحدة الأمريكية الساكن في صفوف مندوبين البرلمان ولم يثر احتجاجهم. فاقل من 4 أشهر بعد التوقيع على تلك المعاهدة، تم التوقيع على معاهدة أخرى في مهر 1326 على يد السفير الأمريكي في إيران جورج آلن ومحمود جم وزير الحرب. بموجب هذه المعاهدة تم تمديد فترة الخدمة العسكرية للمسئول الأمريكي العسكري حتى نهاية اسفند عام 1327ان هذه الاتفاقية التي كان بموجبها يمنع إيران متمثلا في الحكومة كل الأسرار والمعلومات الفنية له للمستشارين الأمريكيين، انها تنطوي على خمسة فصول، و25 مادة. تم تنفيذ العقد من دون اخذ إذن مجلس الشورى الوطني والمصادقة عليه. وفي السنوات التالية تم تمديد الاتفاقية بعد إجراء تغييرات وجيزة، واستمر العقد حتى سقوط نظام الشاه.
استمرت المناسبات التجارية والعسكرية بين الشاه و الولايات المتحدة الأمريكية حتى سقوط هذا الدكتاتور، ولم يكن طريق أمام إيران إلا خزانة للأسلحة الحديثة الأمريكية، حتى يصبح شرطي المنطقة.
فضلا عن كل المعدات العسكرية التقليدية التي كانت بحوزة إيران فان واشنطن منحت الكثير المعدات الخاصة بالشرطة مثل أسلحة الشرطة ومعدات المليشيات مثل الغازات المسيلة للدموع والأسلحة الصغيرة. ان الولايات المتحدة الأمريكية قامت بتعليم ضباط شرطة إيران ومنها ضباط السافاك وإرشاد الجيش للقيام بعمليات ضد الفوضى والتمرد. ما جاء يمثل جانبا من العلاقات العسكرية بين إيران و الولايات المتحدة الأمريكية وهو يبين مدى توسيع نطاق الدعم الأمريكي وتعقيدها في المجال العسكري، وفضلا عن تلك المعاملات العلنية والخطط العسكرية كانت هناك معاهدات خفية ولو كانت نسبة تلك العلاقات في تسليح إيران كبيرة هذا ان لم تكن أكثر من العلنية منها. فبالتأكيد وبنفس القدر كانت تلك العمليات تتضمن الرشوة والفساد وسوء الإدارة والمؤامرات السياسية الأخرى، ان تلك القضايا الخفية وغير المعلنة وفضلا عن انها كانت تؤدي إلى القيام بالمعاملات في مجال السلع غير المنشودة وغير المرغوبة.
ان دراسة وثائق وكر التجسس تبين بوضوح لا يدع مجالا للشك، بان الشاه ومن خلال إظهار الخطر الذي يمثله نفوذ وتغلغل الاتحاد السوفيتي في إيران وإبرازه كان يبحث على نطاق واسع عن توسيع نطاق العلاقات العسكرية مع الولايات المتحدة الأمريكية.
ان تلك القضية قد برزت في وثائق سفارة الولايات المتحدة الأمريكية بإمعان وان تقارب إيران والاتحاد السوفيتي تمت دراسته وتحليله عند تجاهل الاحتياجات العسكرية للشاه في تنافسه مع المنافسين في المنطقة.
جاء في إحدى تلك الوثائق في تاريخ 25 مرداد عام 1345 : بان العوامل السياسية والاقتصادية والعسكرية المشتركة في العلاقات بين إيران و الولايات المتحدة الأمريكية وصلت إلى حدود أزمة، ذلك ان الشاه كان يريد بان يساوم الولايات المتحدة الأمريكية في مجال شراء الأسلحة بثمن رخيص وان يقلل من الاعتماد على الولايات المتحدة الأمريكية وان ينوع من شراء المعدات العسكرية، وبهذا العمل يتجه نحو نوع من التواجد والمهم العسكرية للاتحاد السوفيتي في مجال الأسلحة. هناك الكثير من الأدلة تؤيد تلك الرغبات. بعد ظهور استقلال أكثر كبير في السياسة الخارجية كان يبحث الشاه عن الاستفادة السياسية من التنوع في مجال الأسلحة، ان هذه الحركة كان تستمر بالتأكيد. ان الشاه كان قد غضب بشكل متزايد من مساعي أمريكا لاحتواء التكاليف العسكرية التي يتحملها، انه كان يرى بانه يجب ان يتحمل المسئولية النهائية في عملية اتخاذ القرار، في تحديد وتعيين الخطر وتوفير إمكانيات لمواجهة ذلك الخطر الذي كان يرى بانه عبد الناصر وليس الروس، ان مثل هذه الرؤية تظهر مستقبلا أكثر من ذي قبل.
في هذه الوثيقة ومن خلال الإشارة إلى اقتصاد إيران المزدهر الذي جاء نتيجة الدولارات النفطية، بان الشاه يريد ان يستمر في علاقة عسكرية وطيدة مع الولايات المتحدة الأمريكية شريطة ان ينتفع الجانبان. تبين الوثائق بانه إذا ما تم الحفاظ على هيمنة أمريكا على الأسلحة العسكرية الإيرانية، فيجب الشك إلا في حال منح ظروف عجيبة وغريبة ونحن لسنا في تلك الحالة التي نمنح تلك الظروف، لكن يبين التاريخ بان المساعي الدبلوماسية الكثيرة في سبيل إبطال مفعول النزوع نحو الاتحاد السوفيتي، كان مؤثرا وقد تكلل بالنجاح إلى حد ما.
تبين تلك الوثيقة بان نظام الشاه كان منذ بداية الأمر يحاول بان يصبح شرطي المنطقة وفي هذا المجال قام بشراء الكثير من الأسلحة العسكرية من الولايات المتحدة وكان يعقد الآمال على شراءها من الولايات المتحدة الأمريكية.
بما ان الولايات المتحدة الأمريكية كانت لديها عملاء آخرون في المنطقة فان بيع الأسلحة إلى إيران أدى إلى غضب واستياء العملاء الآخرين منهم آل سعود في المملكة العربية السعودية، ولهذا حاولت الولايات المتحدة الأمريكية بان لا تطلق يد الشاه وتمسك بزمام الأمور وفي هذه الأثناء كان الشاه وباعتراف من وثيقة خرجت من وكر التجسس يحاول بان يقوم بعرض الاستقلال في السياسة الخارجية وان يتجه نحو الاتحاد السوفيتي.
مع ان أمريكا لم تكن على قدرة أو لا تحمل دافعا للحفاظ على التبادل العسكري كما كان يبحث عنها الشاه، لكن النشاطات الدبلوماسية وكما وردت في هذه الوثيقة، أدت بالشاه بان يبتعد عن التقارب إلى الاتحاد السوفيتي.
في تلك السنوات التي تلت هذا التاريخ أي 25 مرداد عام 1345 اتسعت رقعة العلاقات العسكرية الإيرانية والأمريكية وهذا الأمر يبين بان الولايات المتحدة الأمريكية وصلت إلى نتيجة بانها لم تعثر على عميل أكثر ثقة من الشاه في المنطقة.
وورد في وثيقة أخرى بتاريخ نوفمبر 1976 آبان عام 1355 بان إيران تحتل أهمية إستراتيجية عند الولايات المتحدة الأمريكية في الجانب الاقتصادي ولهذا تم التأكيد على تقوية الشاه العسكرية في مواجهة المنافسين في المنطقة.
وجاء في هذه الوثيقة: ان إيران تواجه عدة دول تحظى بدعم الاتحاد السوفيتي ومعدة بأسلحة روسية معقدة، ان إيران ترى بانه يجب تكوين قوة مسلحة وحديثة تستطيع بان تدافع عن صناعة النفط الإستراتيجية، وان الاستقرار الاقتصادي والسياسي هو الذي سيكون سيد الموقف، ان قطع نفط إيران وتأثيره على الولايات المتحدة الأمريكية والحلفاء يعتبر مغامرة أو تهديد أولي على الولايات المتحدة الأمريكية بان تواجهه إذ ما كانت مستعدة لمواجهة تلك التهديدات.
فكما نلاحظ بان هدف الولايات المتحدة الأمريكية من وراء إعداد الشاه عسكريا هو الحفاظ على المنشئات النفطية، وهذا الأمر يحتل أهمية عند الولايات المتحدة الأمريكية.
لهذا السبب كان النفط يصدر بسرعة، ومن جهة أخرى فان الأسلحة العسكرية كانت تدخل إيران وتحول إيران إلى سوق لأمريكا لبيع الأسلحة القديمة والجديدة، وان الأسلحة التي تم شراءها قبل انتصار الثورة أو تلك التي يجب ان يدفع مبلغ شرائها، أو بعد انتصار الثورة الإسلامية تم إلغاءها على يد الولايات المتحدة الأمريكية بشكل أحادي الجانب، ولم تسلم إلى إيران فحسب بل لم يتم إرجاع المبالغ المأخوذة.
6- مؤتمر جوادلوب ومؤامرات الولايات المتحدة الأمريكية لاحتواء الثورة الإسلامية
ان الهزيمة التي منيت بها لحكومة ازهاري التي لعبت المظاهرات التي اندلعت في يوم تاسوعاء وعاشوراء دورا كبيرا في الإطاحة بها، أدخلت نظام الشاه أزمة حديثة لا يمكن مقارنتها بالظروف السابقة ذلك انها جعلت الأساليب ومختلف السياسات على محك الاختبار وبرهنت كلها على انها فاشلة، هذا وان الشاه كان قد عقد آماله على الحكومة العسكرية لاحتواء الثورة، وعليه ان يتخذ أسلوبا وسياسة أخرى. ان القضية المهمة هنا كانت قد تجلت في ان إخفاق سياسة القمع التي انتهجت في مواجهة غضب الناس المتزايد أدت إلى إخافة الشاه والنخبة الحاكمة الأخرى تجاه مصيرها وهذه المرة أدت اتخاذ سياسة حديثة إلى تبديل النظام الملكي إلى الجمهوري على يد بختيار والعناصر القومية وإجراء تغييرات جوهرية في بنية إدارة البلاد فحاولت ركب قطار الثورة، وأرسل هارولد ساندرز وهو مساعد وزير الخارجية الأمريكي في شؤون شرق الأوسط في تقرير له إلى لجنة مجلس الشيوخ الفرعية الأمريكية قبل أيام من خروج الشاه من إيران، تقريرا جاء فيه ان حكومة الولايات المتحدة الأمريكية تعتبر حاليا الشاه قوة سياسية قوية وتبذل كل ما بوسعها في دعم حكومة بختيار لاستقرار الأمن وتدشين مرحلة حديثة العهد في السياسات الإيرانية، بعد اتخاذ هذا القرار وبعد مؤتمر غوادلوب، جاء هايزر إلى إيران كي يجعل الجيش يقوم بدعم بختيار وعند الإخفاق في هذا الأمر تقوم حكومته بالإعداد للقيام بانقلاب عسكري.
ان السفارة الأمريكية في طهران في اول أيام شهر خرداد عام 57 وفي تقرير أرسلته إلى الوزارة الخارجية أعربت عن رضاها وتفاؤلها تجاه الهدوء الذي ساد البلاد طوال الأيام المنصرمة، وقد قامت بدارسة الوضع والتمحيص في جوانبه وكتبت : بالرغم من حدوث وقائع هنا وهناك وبين فينة وأخرى، حل هدوء نسبي محل التوترات الأخيرة في جبهة المعارضة، هذا وطوال عدة أشهر منصرمة كان يحدث يوميا حدث واحد وان عدد تلك الأحداث المنصرمة انخفض إلى  3 أو 4 إحداث أسبوعيا.
ان سفارة الولايات المتحدة الأمريكية وفي جانب آخر من تقريرها أشارت إلى محاولة النظام لإحداث فجوة بين قائد الثورة وعلماء الدين الآخرين وتضيف: على النقيض من آية الله الخميني الذي يهدف ويريد إطاحة نظام الشاه ولا يخفي هذا بل يعلن عنه صراحة، فان جماعة من علماء الدين يحملون أهداف محدودة فان جلهم يريدون الاهتمام بنظرياتهم ومادامت الحكومة لا تولي بهم اهتماما كما ينبغي، فلا يجدون سببا في دعم آية الله الخميني، هناك علامات تدل على ان الحكومة بدأت تستمع إلى نظرياتهم وأفكارهم.
وأضافت السفارة في تقريرها: اننا نعرف وعلى علم بان هناك مساعي تجري خلف الكواليس تفيد بانه يجب فتح باب الحوار مع علماء الدين المحافظين منهم وفصلهم عن آية الله الخميني إذا أمكن ذلك الأمر. هذا وان الكثير من علماء الدين يرون بان السلطنة تعتبر مؤسسة ضرورية تحافظ على الإسلام وتصونه في مواجهة التنافس الشيوعي، ولا يرون بان هناك حلا يظهر في الواقع إلا الشاه.
ان الولايات المتحدة الأمريكية كانت قد ارتكبت خطأ في حساباتها لكنها لم ولن تعتبر من تلك الأخطاء.
ذلك انها قبل انتصار الثورة الإسلامية لم تكن تستطيع ان تتنبأ بانتصار الثورة الإسلامية وسقوط نظام الشاه، وسواء بعد انتصار الثورة التي فتحت الطريق أمام طلاب تابعين لخط الإمام بعد تدخلاتها السافرة والظاهرة للكل، حتى تحدث ثورة أخرى تتجلى في الاستيلاء على سفارة الولايات المتحدة الأمريكية وتنهي تواجد أمريكا طويل الأمد في إيران الإسلامية.
ان الأدميرال استانسفيلد ترنر رئيس وكالة الأمن الأمريكية السي آي ايه يشرح جيدا في كتابه المعنون بـ "احرقوا قبل القراءة" إلى السبب الكامن في خطا الولايات المتحدة الأمريكية في الحسابات في مجال قيادة الثورة: ان مجموعة استخباراتنا في إيران كانت محدودة ولم يكن لدينا معلومات كفاية، ذلك ان حكومة الشاه كانت حكومة يمكن الثقة بها، وأننا لم نقم بالتجسس حوله بشكل حقيقي وبإمعان، ولهذا قبل سقوط الشاه لم يكن لدينا عناصر كثيرة وبعد الثورة لم نكن قادرين على الحصول على أفراد يمكن الوثوق بهم.
يكتب تونر في جزء آخر من كتابه في هذا المجال: على كل وملخص القول بان قصورنا في الحصول على المزيد من المعلومات وتلك المعلومات الدقيقة والمضبوطة عما يجري في إيران وجه ضربة للرئيس كارتر فتضرر من هذا الجانب، انه لم يعي بان أسس حكومة الشاه السياسية كانت مهزوزة اننا لم نكن نعرف بان الشاه كان يعاني من أمراض لا علاج لها، اننا كنا عاجزين عن استيعاب الإمام الخميني قائد الثورة ومدى نفوذه وشعبيته.
ان ترنر الذي مهد الأرضية لإلحاق الخسارة بكارتر في الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة الأمريكية يكشف المزيد عن هذا الأمر بالقول: ان جهلنا عما كان يدور حول مكانة الشاه بلغ درجة إذ اعتبر كارتر في زيارته إلى إيران في ديسمبر عام 1979 اعتبر إيران جزيرة الثبات في منطقة غير آمنة وتعاني من الفوضى، اننا لم نكن نفكر بما عدى تلك الفكرة في وكالة الاستخبارات الأمريكية، بعد 8 أشهر من المظاهرات العارمة في طهران أرسل مكتب التقييم القومي مسودة حول تقييمهم للأوضاع في إيران ولما يجري هناك، وادعى بان الشاه يستمر في الحكم حتى عشرة سنوات لاحقة. قمت بإعادة المسودة ونوهت بانه نظرا إلى الفوضى التي تعاني منها إيران على اقل تقدير علينا ان نقبل بان الشاه يعاني من مشكلة، انني لم أصر كثيرا لدراسة مكانة الشاه والأوضاع التي تجري في إيران، فبتأكيد كان هذا الأمر يعتبر خطأ فادح.
ويستطرد ترنز قائلا: بشكل عام اننا في الجهاز الأمني سافرنا إلى إيران في عهد الشاه، ولم نر أي علامة تدل على عدم الاستقرار والفوضى في إيران كانوا يستقبلوننا استقبال الملوك لكن كان ترددنا يتم تحت الإشراف والمراقبة.
ويكتب ترنز في نهاية المطاف: ان حكومة الشاه انهارت بسرعة، انها بالتحديد بعد 5 أشهر من تنبؤ وكالة السي أي ايه من انها تستمر حتى عشرة أعوام قادمة، غادرت إيران ورأت نفسها في المنفى.
كما أشار ترنر في كتابه الآخر المعنون بـ السرية والديمقراطية إلى معلومات الولايات المتحدة الأمريكية الخاطئة وكذلك وكالة السي أي ايه حول قوة قيادة الإمام الخميني ومدى نفوذه بين مختلف طبقات الناس وفي اعتراف تاريخي له قائلا: لم أكن أتصور بان كل المجموعات المستاءة والمعارضة للشاه تثور على يد عالم دين يبلغ من العمر 79 باسم آية الله الخميني الذي كان يعيش في المنفى في فرنسا وترتبط بالبعض وتتحد معا مع انه بعد سقوط الشاه انهار ذلك الاتحاد الذي كان يربط بينها وكل سار على دربه لكن الثورة لم تتوقف واستمرت في طريقها وواصلت منهجها.
دون شك وريبة ان دراسة ما ارتكبته الولايات المتحدة الأمريكية من جرائم بحق الشعب الإيراني وفي فترة تلت انتصار الثورة الإسلامية يتطلب منا المزيد والمزيد من الكتابة، ان جرائم الولايات المتحدة الأمريكية التي بدأت بمساعي في الأيام الأخيرة من عمر النظام البهلوي المنحوس وجهود استهدفت فصل جزء مهم من إيران في كردستان وفيما بعد في انقلاب نوجه العسكري والحرب المفروضة ودعم المعارضين للثورة طوال ما يزيد على أربعة عقود منصرمة ووضع العراقيل والقيود بوجه تحقيق إيران التطور في صناعات مهمة مثل المجال النووي وفرض العقوبات واسعة النطاق، والكثير من تلك القضايا المماثلة، كما ان حياكة المؤامرات على يد الولايات المتحدة الأمريكية مستمرة إذ تواجه في الطرف الثاني صمود الشعب الإيراني.

أرسل إلى صديق
نسخة للطباعة
ترك تعليق
الاسم:
البرید الإلکتروني:
* التعلیق: