نظرة على الجهاد الفكري لآية البروجردي في فترة النظام البهلوي

موقع مركز وثائق الثورة الإسلامية. ان مدينة قم وبعد دخول آية الله البروجردي و زعامته على الحوزة الدينية، أصبح لها مكانة خاصة، وظهرت حاجة لتكوين التطورات الثقافية الجوهرية والعلمية فيها. بعد الأعمال التي قام بها سماحته تغيرت الآفاق الفكرية للحوزة والثقافية لمدينة قم، وتحسنت كثيرا.

ان آية الله البروجردي قام بإصلاحات كثيرة في مختلف الجوانب، انه وبعد القيام بالإجراءات التي كان يطمح إليها، أسس الحوزة العلمية القوية، ووفر إمكانية تواجدها ومشاركتها في التطورات اللاحقة، ومن خلال الأسس والعناصر التي وفرها، والأساليب التي ابتدعها، أسس مؤسسة قويمة وراسخة. فالحوزة العلمية في قم وآية الله البروجردي، المرجع الكبير للشيعة قاما بمعارضة الحكم البهلوي في الكثير من المجالات. ومنها القضايا الثقافية، إذ كان يعارض المشاريع الثقافية للحكومة التي كانت تحارب الدين والقيم المعنوية، عند الضرورة، فيما يلي نشير إلى نماذج من هذه المواجهة والجهاد الثقافي.


1- تغيير الكتابة الفارسية

أولى مواجهات سماحته مع النظام البهلوي في مجال الثقافة في الفترة التي سبقت تزعمه الحوزة، تجلت في تغيير الكتابة الفارسية. فالشاه وبذريعة ان الكتابة والطباعة بالفارسية تؤدي إلى الأخطاء عند الباحثين، وفضلا عن هذا فإنها لا تتطابق مع اللغة العالمية أي الإنجليزية، على هذا يواجه الناطق بالفارسية مشكلة في معرفة العلوم المنتشرة في العالم الغربي؛ رأى بمشاورة مستشاريه بان الحل يكمن في تغيير الكتابة الفارسية. عندما عرف البروجردي هذا الأمر قال: ان الهدف من هذا العمل هو إبعاد المجتمع عن الثقافة الإسلامية، ما دمت حيا لا اسمح بهذا العمل، مهما حدث أقف بوجه. وبهذا الموقف الصارم جعل الشاه يتراجع عن موقفه.


2- قانون التربية الدينية

صادق مجلس الشورى الوطني على قانون التربية الإجباري، وأعلن عن هذا القانون وزير الثقافة آنذاك، طلب آية الله البروجردي من حجة الإسلام فلسفي بان يلتقي بالشاه ويطالبه بان يتم إدراج التربية الدينية في المرحلة الابتدائية، التقى السيد فلسفي به ووافق الشاه على هذا الأمر.


3- منع الاستعراض العسكري للفتيات

قام سماحته إلى جانب علماء آخرون بمعارضة قانون كشف الحجاب، ونوه في لقاءه بالشاه بأنه يجب احترام قضايا الإسلام، لكن بعدما شاهد صور من أسرة محمد رضا شاه وهم يرتدون أزياء غير مناسبة، لم يسمح بعدها للقاء الشاه به. هذا ونشرت حكومة إقبال تعميما أثارت ردة فعل سماحته، بموجبه يجب على الفتيات بان يقمن بالاستعراض العسكري بالأزياء غير اللائقة بهن، عندما سمع بهذا الخبر غضب وقال: أنهم يريدون إرغام الفتيات على النزول في الشوارع في هذا الطقس البارد وارتداء ملابس غير لائقة بهن، ويريدون القول بأنهن تحررن من القيود، أي قيود وأي حرية؟ اتصل الكثير من الناس بي وطالبوني الوقوف بوجههم. على أثر ردة فعل سماحته ألغت الحكومة الاستعراض العسكري لكنها أعلنت بان الإلغاء جاء بسبب الطقس البارد.


4- معارضة تأسيس بيت المرأة

قيل بان زوجة رئيس الوزراء آنذاك هويدا، تنتمي إلى البهائية. لهذا رفض سماحته اللقاء به، ثم وبعد مساعي كثيرة وافق على اللقاء به، بعد يوم من اللقاء أعلن بأنه وبأمر من رئيس الوزراء يتم تأسيس بيت المرأة في طهران، والهدف هو نشر السفور، توجه رئيس الوزراء إلى زيارة سماحته وقدم تقريرا عن الأعمال التي أنجزت في خوزستان، لم يهتم سماحته بحديثه وقال له بغضب: ما هو بيت المرأة. عندما شاهد غضبه رفض القضية جملة وتفصيلا، وتم نقل ملف بيت المرأة إلى الأرشيف ولم تؤسس.


5- مواجهة البهائية

زاد عدد أتباع البهائية في عصر البهلوي في ظل دعم الحكومة، إذ تحولت إيران بعد إسرائيل إلى مكان آمن لهم، وأنت البهائية في إيران تعد من المراكز المؤثرة والقوية والمتنفذة في المؤسسات السياسية والثقافية والاقتصادية، ان السياسة الدينية البهلوية كانت تنال إعجاب البهائيين، فتم تعاون بينهما.

قام البهائيون بالتعاون مع الحكومة بمواجهة المؤسسات الدينية، وظهر هذا الأمر جليا في قضية كشف الحجاب وهي من الأحكام الضرورية في دين الإسلام المبين. كان ينظر رضا خان بتفاؤل إلى البهائيين. كان سماحة البروجردي في سنين إقامته في بروجرد قلقا من تبليغ البهائية على يد المسئولين وتوجيههم الاهانات إلى المقدسات الدينية للشعب. اتصل بطهران وتحدث معهم حول الوضع السيئ لبعض الدوائر الحكومية وطالبهم بإقالة بعض المسئولين المعارضين للدين، ولكنه لما شاهد عدم اهتمام الحكومة بالأمر ترك المدينة غاضبا. اجتمع أنصاره في المسجد وتحدث المحاضرون ودعم الناس المرجع الشجاع، فلبى المسئولون مطالبه، وعاد سماحته إلى المدينة ثانية. وقيل بأنه تحدث في المنبر طوال شهر من الزمن بالأدلة حول رفض البهائية وبهذا أخفق مخططاتهم.

في فترة زعامته في مدينة قم تلقى سماحته برقيات كثيرة تتحدث عن قوة هذه الفرقة ونفوذها في الأجهزة الحكومية، فقام بأعمال لوقف ممارساتهم، ودخل الساحة بقوة. وفي لقاء بصحيفة كيهان أعلن عن وجهات نظره حولهم بهذه العبارات: يجب إحلال النظم والهدوء في البلاد عند مقارعتهم ويجب طردهم من الدوائر الحكومية والمؤسسات الوطنية، ويجب ان تطالب الحكومة من البرلمان المصادقة على مشروع يقضي بطردهم من البلاد.

ثم طلب آية الله البروجردي من حجة الإسلام فلسفي المساعدة في تحقيق هدفه. بأفعال سماحته ، تم الحصول على الموافقة النسبية من الحكومة ، وكشف الخطيب الشهير حجة الإسلام الفلسفي ، بأمر من آية الله البروجردي ، عن طبيعة الدين البهائي في خطاب ألقاه على إذاعة طهران. وبدعم من سماحته وتصريحاته ، بلغت حركة الناس ذروتها ضد البهائيين ، وأدت الخطب التي ألقاها للخطيب الشهير ، فلسفي، إلى تدمير المرقد المقدس (مكانهم المقدس في طهران) وبنائه. في مكتبة بأمر من محمد رضا شاه. وفي شيراز ويزد ومازندران ونهاوند ونجف آباد وآبادان والعديد من المدن الأخرى ، بما في ذلك طهران نفسها ، تم تدمير مراكزهم ونفيهم من البيئة الإسلامية. يقال أنه بعد هذه الأعمال ، جاء الكثير منهم إلى منزل آية الله البروجردي وتابوا عن عقيدتهم البهائية.

تعاطف الشاه وبلاطه في البداية مع هذه الخطوة لعدد من الأسباب ، حتى حذره بعض مستشاريه من أنه إذا انتصر علماء الدين في المعركة ، فإنهم سيشكلون فيما بعد تهديدا خطيرا للنظام الملكي نفسه. لذلك تراجع الشاه من موقفه ومنع استمرار المحاضرات الفلسفية وبثها في الإذاعة. تسبب هذا العمل في استياء شديد لآية الله البروجردي من الشاه وتسبب في عدم الثقة وقلص العلاقة بين الاثنين. لم يعد يثق في بلاط الشاه فحسب ، بل لم يسمح للمسئولين الحكوميين بدخول منزله أو عاملهم بتجاهل تام. لم يصل النضال ضد فرقة البهائية إلى مبتغاه لرئيسي بسبب العراقيل الحكومية ، وكذلك ولاء الشاه للقوى الأوروبية والأمريكية التي كانت الداعمين الرئيسيين للبهائيين ، ولكن كانت لها آثار بعيدة المدى ، بما في ذلك وأن دعايتهم تقلصت وتظاهر كثير من المسلمين بأنه بسبب الدوافع المالية ، تحولوا للبهائية غير أنهم تابوا كما غادر عدد من البهائيين البلاد.


6- محاربة عبادة النار

على الرغم من معارضة آية الله البروجردي لتدخل العلماء في شؤون الحكومة ، إلا أنه لم يعارض الضغط على الحكومة بغية تحقيق أهداف محدودة. كلما شعر أن الحكومة تنتهك الشريعة والمبادئ الإسلامية ، لم يتردد في التحذير. إذ كانت واحدة من هذه القضايا عبادة النار.

في سنة ما، قبل أيام من يوم الأربعاء الأخير من العام ، المعروف باسم جهارشنبه سوري ، أبلغ بعض الضباط الدينيين في أذربيجان آية الله البروجردي أن منظمي برنامج الأربعاء لهذا العام في أذربيجان قد رتبوا البرنامج بطريقة تتفق مع عبادة النار ؛ بطريقة تجعلهم يشعلون النار في جبال أذربيجان وينتقل الناس من جانب إلى آخر وفي أيديهم مشاعل مشتعلة ، لأن كلمة "أذربيجان" مرادفة لشعب أذربيجان وتعني أن هذه المنطقة لم تعمر إلا بالنار. في هذا الصدد ، كتب آية الله البروجردي رسالة إلى الشاه بخط يده وختمها. ثم استدعى خادمه الحاج أحمد وطلب منه الذهاب إلى طهران والعمل من خلال بعض الوزراء والعلماء المرتبطين بالشاه وتسليم الرسالة المختومة للشاه وطلب إجابة الرسالة على الفور.

وكان من ضمن الأشخاص محل اهتمام سماحته هو صدر الأشرف ، الذي كان وزيرا ونائبا ومستشارا ، بالإضافة إلى انه كان من المعممين. وأبلغ الشاه بمحتويات الرسالة كما قال آية الله البروجردي: "الاحترام الذي نحمله لك وعبارة" خلد الله ملكه"الذي نستخدمه لك ، هو أنك إذا كنت ملكا تتصرف وفقا لمعايير الدين الشيعي فإنها تعارض عبادة النار. إذا كنت تريد الموافقة على هذا ، فسوف تنقطع علاقتنا معك ، و الاختلاف بيننا هو نفس الاختلاف الذي كان موجودا مع عبادة النار منذ صدر الإسلام. أصدر الشاه على الفور أمرا بمنع إقامة الاحتفالات ، هذا و لم تتكرر فيما بعد. بالطبع ، بعد وفاة السيد البروجردي ، أقيمت مراسم مماثلة في طهران و في ثكنة عسكرية ، لكنها لم تكن منتشرة كما في أذربيجان.

القضية الأخرى التي عارض فيها آية الله البروجردي عبادة النار وما يتصل بها من شبهات كانت إقامة الأولمبياد الرياضي في الهند. كالعادة ، كان من المفترض أن يمر الحريق الذي اندلع في اليونان عبر إيران للوصول إلى وجهته. عارض آية الله البروجردي مروره من إيران وأرسل خطيب طهران الشهير ، محمد تقي فلسفي، إلى الشاه للامتناع عن القيام بذلك ، والذي كان يرى آية الله أنه يروج لعبادة النار. هذا و استدعى الشاه ، الذي كان يعرف معارضة آية الله البروجردي، رئيس التربية البدنية وأمره بعرقلة مسألة إحضار الشعلة ، وقال للسيد الفلسفي: "الشعلة لا شيء ؛ إنها شائعة في العالم." وشرح السيد الفلسفي حساسية آية الله قائلا: "على الرغم من شيوعها في العالم ، فإن سجل عبادة النار وأولئك الذين يرغبون في إحيائها مشوه فقلق سماحته ناجم عن هذا، بل وكما نعرف أنها تمر من لندن وباريس وهي ليست مراكز لعبادة النار.

النهاية