أربعة قضايا حول الاستفتاء العام على الجمهورية الإسلامية

مركز وثائق الثورة الإسلامية، دخلت الثورة الإسلامية عقدها الرابع، ان عدد الأربعين في ثقافتنا الدينية علامة على النضوج و الكمال، هذا المسار المستمر منذ أربعين عاما و للثورة ومجتمعنا الإسلامي مليء بالتجارب والخبرات و النجاحات الكثيرة وفي نفس الوقت الإخفاقات. و من النجاحات هي إنشاء النظام السياسي الديمقراطي بحكومة الدين والقيم الإلهية الذي يتلألأ كجوهرة ناصعة على جبين الثورة الإسلامية.

لم يمض على الثورة الإسلامية أكثر من 50 يوما ، حتى اصدر قائد الثورة الحكيم ومؤسسها أمرا يقتضي بإقامة الاستفتاء العام و تحديد النظام السياسي في إيران. و شارك ما يقارب مئة بالمائة ممن يحق لهم المشاركة في يومي العاشر و الحادي عشر من فروردين عام 1359 في الاستفتاء و صوت ما يقارب 98 بالمائة للجمهورية الإسلامية.

في هذه الأيام التي نمر بذكرى هذه الحادثة التاريخية حري بنا التطرق إلى عدة قضايا كما يلي:

1- لا مثيل للانتخابات التي أقيمت بغية تحديد النظام السياسي في إيران، فالدول التي خاضت تجربة الثورة السياسية، قد مرت على ابعد تقدير بمجلس ثوري أو ما شابهها، و في إطار عدد محدود و بعد مرور فترة طويلة من انتصارها، بمرحلة إعداد الدستور و ثم توجهت للتصويت العام.

لم يمض على انتصار الثورة عامه الثاني حتى أقام خمسة انتخابات مهمة و مؤثرة. هذه الإنتخابات الخمسة هي التي حددت النظام السياسي، و بانتخابات ممثلي مجلس الخبراء للدستور و الاستفتاء العام و انتخابات الرئاسة الجمهورية و مجلس الشورى الإسلامي، تكونت بنية الثورة وهيكلتها على التصويت العام.

2- الحادثة الأخرى الناجمة عن انتخابات فروردين عام 1358 هو المزج بين الدين والسياسة في إطار نظام الجمهورية الإسلامية. هذا التطور المهم رأى النور في وقت كانت الحداثة والتجدد وخاصة منذ القرن الثامن عشر قد قادت الدين إلى الهامش والعزلة الاجتماعية، وفي المجتمع الإيراني الذي كان قد تعود في فترة ما يقارب 150 عاماً على إتباع إدارة سياسية معارضة للدين ، فان النظام الديني الديمقراطي هو الذي هيمن على الساحة.

هذا النموذج الذي اقترحه الإمام الخميني قدس سره للشعب الإيراني إذ كان في صفوف الحلقة الأولى من الثوار نموذجان آخران، بعضهم كان يفترضون بان الجمهورية هي قضية عرضية و فرعية في الحكومة الدينية و اقترحوا الإمارة الإسلامية أو الحكومة الإسلامية. وفي المقابل كان يرى البعض ان مصطلح الجمهورية الإسلامية لا يحمل الطابع الديمقراطي وكان يرى ان الجمهورية الديمقراطية الإسلامية هي العنوان الأكمل لها، أوضح الإمام الخميني المفهوم الدقيق الذي يقصده و أصر على الجمهورية الإسلامية لا كلمة أكثر و لا كلمة اقل وقال: إننا نطالب بالجمهورية الإسلامية فالجمهورية تشكل إطار الحكم و الإسلامية هي فحوى هذا الإطار أي القوانين الإلهية. (صحيفة الإمام جلد 5 ص 398).

3- القضية المهمة الأخرى التي تدور حول مكانة الجمهورية في النظام الإسلامي هي انه خلافا للفهم المتداول، فان الجمهورية بالمعنى الديني و في مدرسة فكر الإمام قدس سره، ناجمة عن تعاليم و سير الأئمة في مجتمعنا. فان الإمام الخميني قدس سره ومن خلال اعتقاده بنظرية النصب و عدم تدخل إرادة الشعب في شرعية الحكومة، كان يؤكد على شرط رضا الناس لتبلور الحكومة الإسلامية و استمرارها.

ان الإمام الخميني قدس سره قد أوضح هذه القضية في إطار عبارات مختلفة، على سبيل المثال في عام 1366 أرسلت الأمانة العامة لائمة الجمعة استفتاءا له بهذه العبارة: كيف يمكن للفقيه جامع الشرائط الولاية على المجتمع الإسلامي؟ قال الإمام ان الفقيه جامع الشرائط له الولاية في كل الأشكال، لكن تولي أمور المسلمين و تأسيس الحكومة يتوقف على أصوات الأغلبية من المسلمين كما ورد في الدستور و كان يطلق عليه في صدر الإسلام بالبيعة مع ولي المسلمين. (صحيفة الإمام ج 20 ص 459).

كما تطرق قائد الثورة الإسلامية في خطابه في 14 خرداد عام 1393 بإمعان إلى رؤية الإمام الخميني قدس سره في هذا المجال. وقال: على البعض ان لا يظن بان إمامنا قدس سره اخذ الإنتخابات من الثقافة الغربية، و مزجها مع الفكر الإسلامية والشريعة الإسلامية، كلا، هذا غير صحيح، لو لم تكن الإنتخابات والديمقراطية ولو لم يكن الاعتماد على أصوات الشعب جزء من الدين، ولم يستمد من الشريعة الإسلامية، فلم يكن الإمام يميل نحوها، كان الإمام صريحا وصارما، ويقول ما يريد، هذا الأمر جزء من الدين.

و رسم سماحته وفقا لنظرية الإمام مسار عمل النظام الإسلامية بهذه العبارات: ان الشريعة الإسلامية هي إطار، في كل التشريعات و التنفيذ و العزل و التعيين والسلوك العامة التي تتبع النظم السياسي والمدني، يجب احترام الشريعة الإسلامية، ان مسار العمل في هذا النظام يتحدد من خلال الديمقراطية، بمعنى ان أغلبية الشعب تختار مندوب البرلمان و تحتار رئيس البلاد و الوزراء يتم اختيارهم بالواسطة، و كما يختار الشعب مجلس الخبراء، والقائد يتم اختياره بالوساطة، كل الأعمال تدار بيد الشعب، وهذا هو أساس حركة الإمام الكبير قدس سره.

4- القضية الأخيرة في هذا المجال هو الرد على الشبهات التي تثار حول أيام مثل 12 فروردين و 22 بهمن على يد المعارضين للجمهورية الإسلامية.

من الشبهات المتداولة هي ان اختيار الناس في 12 فروردين تم من خلال نعم أو لا للجمهورية الإسلامية ولم يكن هناك اختيار بيد الناس في تحديد نوع النظام السياسي.

ان مثيري هذه الشبهة يتجاهلون حقيقتين: أولا ان الثورة العظمى التي تمت على يد الشعب و بقيادة الإمام الخميني قدس سره، كانت تهدف إلى تأسيس الحكومة الدينية وهذا المطلب الواضح كان محل اتفاق كل المحللين و مؤرخي الثورة الإسلامي في الداخل أو في الخارج، و بمختلف انتماءاتهم، على هذا يعد من الطبيعي بان يتم وضع هذا المطلب للشعب في الاستفتاء العام.

يبدو ان من أهداف الإمام الذكية من عرض هذا الاستفتاء هو الرد القانوني للأجيال التالية في مواجهة مثل هذه الشبهات، ذلك ان حب الناس للإمام في تلك الفترة من نظام الجمهورية الإسلامية وبقراءة الإمام لم تعد بحاجة إلى مثل هذا التصويت.

ثانيا كان الناس مخيرين برفض الثورة الإسلامية والمعنى القانوني لهذا العمل هو ان معارضين نظام الجمهورية الإسلامية بكل أطيافهم وانتماءاتهم لا يتجاوزون اثنين بالمائة من الشعب.

الشبهة الأخرى التي تطرح هي ان الناس أيدوا النظام في تلك الفترة لماذا علينا إتباع اختيار الشعب في عام 1358؟ وردا على هذه الشبهة يجب القول بأنه لا نظام سياسي في العام يضع استمراره مرهونا بالاستفتاء مع هذا في نظام الديمقراطية الدينية ان رضا الشعب هو أساس استمرار الحكومة، وهناك آليات مختلفة منحت للشعب ليعبر عن رأيه. ومنها انتخابات الرئاسة ومجلس الخبراء.

ان إصرار سماحة قائد الثورة الإسلامية في كل انتخابات الرئاسة الجمهورية يأتي من منطلق التأكيد على الانتخاب في إطار النظام الإسلامي والتصويت الشعبي على أساس النظام.

كما قال سماحة القائد في رسالته في ارديبهشت عام 1396 تقديرا لمشاركة الشعب في الإنتخابات الرئاسية: ان المنتصر في الإنتخابات هو الشعب الإيراني ونظام الجمهورية الإسلامية الذي بالرغم من المؤامرات و مساعي العدو استطاع الحصول على ثقة الشعب وخلق ملامح جديدة، ان اختبار الأمس لم يتجلى في مشاركة الناس واسعة النطاق، بل في هدوء المقترعين الذي ضمن امن الإنتخابات.