من اللاسلطوية المعرفية إلى اللاسلطوية السياسية
نظرة على الأيديولوجية السياسية لمؤسس جمعية الحجتية

موقع مركز وثائق الثورة الإسلامية-لو أردنا الاستفادة من مفهوم صحيح لمعرفة أيديولوجيا جمعية الحجتية والشيخ محمود حلبي، فهذه المفهوم هو اللاسلطوية المحافظة ففكر الشيخ محمود حلبي وإيديولوجيته تصنف ضمن الأفكار المحافظة التي تعارض أي نوع إصلاح، من جهة أخرى فانه من خلال طرح فكرة عدم إقامة الحكومة في عصر الغيبة، اقترب إلى النزعات اللاسلطوية، مع انه في حربه بوجه المحافظة واللاسلطوية، في فكر حلبي، تنتصر المحافظ، والسبب هو المقاربة الواقعية للسلطة.


الأزمة المعرفية

تضرب اللاسلطوية السياسية لحلبي بجذورها في نزعة اللاسلطوية المعرفية لديه، وهي وليد الأزمة المعرفية التي كان يعاني منها، فان أزمة المعرفية تشكل المعضلة المشتركة لمختلف التيارات الدينية سواء كانت إخبارية أو شيخية أو جمعية الحجتية أو السلفية. فان قضيتهم هي الفهم الصحيح للدين، وجوابهم جميعاً هو تبني مقاربة عنيفة بوجه العلم والفلسفة، سواء العلوم الدينية أو غير الدينية.

فالإخباريون وبطردهم العلوم الأخرى، يلجئون إلى الروايات، والشيخية وكي تطمئن بأنها فهمت الدين فهماً صحيحاً، تتحدث عن الركن الرابع، أم السلفية تطرح قضية العودة إلى السلف الصالح، كما رفضت الحجتية الفلسفة أي مصدر معرفي لا يرتبط بالمعصوم، وجاءوا بطريق آخر، تعد فكرة حلبي وإيديولوجيته كنتيجة لهذا المسلك.

ان أيديولوجية الشيخ محمود حلبي هي نهضة معارضة للمنهج والأسلوب في المقاوم الأول، إذ تحارب كل أنواع الأساليب العلمية والمعرفية، العلم والفلسفة والعرفان وحتى النحو. انه تجاوز مرحلة المنطق ويوجه النقد له، غير انه لم يبلور منطقا أو قواعد فكرية علمية جديدة، ولهذا دخل اللاسلطوية المعرفية. حارب الفلسفة والعرفان بلا هوادة، ووجه الاهانات لرموز الفلسفة والعرفان مثل ملا صدرا وابن عربي حتى يعبر عن مشاعره السلبية العنيفة تجاههم، فضلا عن معارضة العرفان والفلسفة، كما تحدث عن كبار فقهاء الشيعة مثل الشيخ مفيد والطوسي بازدراء.

جاءت كل تلك الآراء لعدم رضوخه لكل المناهج والأساليب العلمية، هذه الأيديولوجية التي تعارض المناهج والأساليب تنتهي إلى لاسلطوية منهجية معرفية، ان غياب المعرفة العميقة لكل العلوم وغياب الأخلاق العلمي تعد من أسباب تبني تلك المقاربات.

في مقاربته اللاسلطوية المعرفية اكتسب الحلم والعلوم الغريبة والأساليب الغريبة التي لا تعتمد على قاعدة علمية ومزاعم بلقاء إمام الزمان وقصص من هذا القبيل، مكانة سامية، ولما كانت تتسم بالقداسة فأنها حلت محل العلوم، بحيث لا يوجد علم يمكنه دحضها ورفضها.

فلو قسمنا المصادر المعرفية إلى ثلاثة مصادر شاملة وهي العقل والتجربة والشهود، فشيخ محمود حلبي وبالرغم من الاستفادة منها، وخاصة التفسير الخاص للأمور الغيبية، لكنه كان يرى بأنها مرفوضة ولا اعتبار لها، وتحدث في كثير من محاضراته وكتاباته ضد هذه المصادر.


اللاسلطوية المحافظة

هذا التيار بلغ في مجال السياسة مرحلة اللاسلطوية ذات النزعة المحافظة، مع ان اللاسلطوية والمحافظة يقفان بوجه بعضهما البعض، لكنها لما كانت في المنظومة الفكرية لحلبي ترافقت مع نوع من البراغماتية، فأنها تحولت إلى نزعة متعارضة وثنائية، فان هذه الأيديولوجية اجتاحت حدود اللاسلطوية بحديثها عن عدم إقامة الحكومة في عصر الغيبة، ثم تبنت الانتهازية لتبرر إطاعتها للسلطة الفائقة، فاتجهت نحو المحافظة السلطوية.

يمكن القول بان اللاسلطوية في أيديولوجية حلبي السياسية تركز على المثاليات والأوهام، والنزعة المحافظة تهتم بالواقع. في هذه الأيديولوجية يعد كل الحكومات وأصحاب السلطة غاصبين، ولا فرق بينهم، على هذا فان كون الحكومات نجسة لا يعني ضرورة الثورة بوجهها، ذلك ان الحكومة التي تحل محلها لا تختلف عنها. هذه الأيديولوجية تندد بأي حركة أو ثورة في عصر الغيبة، وتدعو المجتمع إلى نوع من الركود والقبول بأي حكومة وان كانت ظالمة.

محاربة العقل والنزعة المحافظة في هذه الأيديولوجية هي التي لفتت انتباه الحكومة البهلوية بفسح المجال للجمعية في الأجواء السياسية المغلقة بعد الانقلاب العسكري في 28 مرداد عام 1332، مع ان هذه الأيديولوجية كانت تعارض النزعة القومية والماضوية للحكم البهلوي والنزعة الحداثية، لكنها استغلت هذه الآلية لتطوير بعض سياساتها واحتواء القوى الدينية.


الدوغمائية والشمولية جسر نحو الاستبداد السياسي

من السمات المهمة لهذه الأيديولوجية هي الدوغمائية والشمولية، فأتباع هذه المدرسة ولما كانوا يرون ان معارفهم هي معارف إلهية، فأنهم كانوا يرون بان علومهم معصومة وإلهية، وتفوق علوم الآخرين الإنسانية التي يدخل فيها الخطأ.


الإستراتيجية الخاطئة في محاربة البهائية

بالرغم من المحاضرات الكثيرة التي ألقاها حلبي في العهد البهلوي إلا انه لم يوجه نقده للقضايا السياسية إلا قليلاً. وفي هذه الفترة وبدلاً من محاربة أسباب الفساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي، جعل محاربة الفلاسفة والعرفاء المسلمين على رأس أولوياته، وتطرق إلى نقد البهائية ورفضها قليلاً، مع انه كان يترأس جمعية الحجتية، وكانت الجمعية ترى نفسها رائدة في محاربة البهائية، فضلاً عن هذا فان إستراتيجية الجمعية في محاربة البهائية كانت إستراتيجية خاطئة، ولم تترك تأثيراً في الحؤول دون تطور هذا التنظيم السياسي. فالبهائية كان تنظيماً سياسياً تابعاً لإسرائيل وأمريكا، إذ تغلغل في مختلف المجالات الاقتصادية والسياسية والعسكرية والثقافية في حكم البهلوي، غير ان الجمعية ومن دون الإشارة إلى هذه القضايا تعاملت مع البهائية كفرقة عقائدية وركزت أنشطتها في محاربة البهائية على المستوى الهامشية.

كان حلبي وجمعية الحجتية يريدان محاربة البهائية في ظل دعم حكومة البهلوي، محاربة كانت واضحة المعالم والنتائج، القضية الأخرى التي شكلت خطأ استراتيجي في محاربة البهائية هي أنها تركت الصهيونية وإسرائيل كأهم داعم للبهائية، وواجهتها كظاهرة مستقلة وكطائفة. وحتى عندما كانت تتحدث عن العنصر الخارجي فأنها كانت تنتهي بالحديث عن روسيا وبريطانيا، بينما لم يكن بوسعها إثبات هذا الأمر، ولم تمتلك أي أدلة، فكل الوثائق كانت تتحدث عن علاقة البهائية بأمريكا وإسرائيل.

بعيداً عن دوافع حلبي، فانه في نهاية المطاف كانت يحارب البهائية بإشراف السافاك، ولهذا استطاعت الجمعية ان تتطور وتنمو في ظل سلطة السافاك وعندما كانت تحارب كل الجمعيات والمؤسسات.

في المقابل من هذه الإستراتيجية في مواجهة البهائية، تقف إستراتيجية الإمام الخميني رحمه الله، فالإمام في نهضته التي بدأها منذ عام 1341 في محاربة البهائية، لكن وبدلاً من تأسيس جمعيات بإشراف السافاك في مختلف المدن، حارب أساسها أي الحكم البهلوي والصهيونية وإسرائيل، لكن ما هي نتيجة الإستراتيجيتين والنضاليين؟ في أسلوب نضال حلبي شاهدنا نمو البهائية وفتحها كل المراكز، غير انه في منهج الإمام الثوري، ظهرت حقيقة تعدها البهائية أكبر أزمتها التاريخية.