الثورة الدستورية في مسلخ الديكتاتورية البهلوية

مركز وثائق الثورة الإسلامية؛ مر 42 عاما على سقوط النظام الملكي البهلوي وانتصار الثورة الإسلامية في 22 بهمن 1357. ومع ذلك ، لا يزال هناك فكرة مفادها بأنه من أجل فهم التطورات السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والأمنية والعسكرية في إيران في الفترة المعاصرة ، نعد بحاجة إلى مراجعة عملية ظهور وسقوط البهلوية بمقاربات حديثة.

ذلك انه من جهة ، ومع وقوع الانقلاب العسكري في 3 اسفند عام 1299 ثم صعود رضا خان على عرش النظام الملكي الإيراني ، شهدنا انحرافا منهجيا ومستمرا عن الأسلوب القانوني والدستوري لممارسة السياسة ، خلال 16 سنة لحكم رضا شاه المعادي للشعب والقمعي في إيران. مما يعني تجاهل الجهود والتضحيات والإنجازات السياسية والاجتماعية والثقافية والأمنية وحتى الاقتصادية للشعب الإيراني في السنوات التي أعقبت تشكيل الثورة والنظام الدستوري وانتصارها وازدهارها.

هذا وقد جعل حكم محمد رضا شاه ، الذي امتد 37 سنة ، المجتمع الإيراني يواجه تطورات سياسية واجتماعية وثقافية واقتصادية وأمنية متعددة وكثيرة، أدت لا محالة إلى ان الطريقة الدستورية السياسة والحكم تصبحان غير فاعلين بل وحتى فاشلين. فالمصير السياسي والاجتماعي للشعب الإيراني ارتبط بمرور الدستورية والتأسيس الناجح للثورة الإسلامية ، والتي كانت بداية جديدة في تبني آلية وطريقة مزاولة السياسة وممارسة الحكم.

طيلة 16 سنة من حكمه الذي وضع الأسس له منذ انقلاب 3 اسفند 1299 العسكري ، يمكن القول بأنه تجاهل جميع الأهداف السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والأمنية وتطلعات وإنجازات الثورة الدستورية وذلك من خلال القمع الوحشي والقضاء على كل المجالات كان يمكن وينبغي أن توفر الأسس لتعزيز حق تقرير المصير والسيادة الوطنية للشعب الإيراني. أضرار وفي كثير من الحالات الحق أضرارا كبيرة بحياة المجتمع الإيراني.

خلال فترة حكم رضا شاه ، لم يكن للشعب الإيراني دور في عملية اختيار المندوبين في ما يسمى بالمجلس الوطني ، والذي كان أهم رمز ومؤسسة للدستورية وممارسة الحكم التي تضمن حق تقرير المصير السياسي للمجتمع الإيراني. كما لم تلعب إرادة الشعب ولا حتى الممثلين المعينين لرضا شاه في المجالس في ذلك الوقت أي دور في تغيير الحكومات في ذلك الوقت.

وهكذا ، في تلك الفترة المظلمة ، أفرغت حكومة العسكر، ذات النظام الاستبدادي ، وبالطبع الوحشي والقسري ، جميع المؤسسات القانونية والسياسية والاجتماعية من فحواها ، وجعلتها تحارب الدستور والشعب. للأسباب نفسها ، وفي الثالث من شهريور عام 1320 ، غزت القوات الغازية للحلفاء (بريطانيا وروسيا السوفيتية) أراضي بلدنا من الشمال والجنوب ؛ وان الشعب الإيراني و رغم المقاومة الشرسة التي أبداها خلال الحرب العالمية الأولى ضد المعتدين الأجانب لكن هذه المرة قبلوا بالإذلال الناتج عن احتلال البلاد مقابل الإطاحة بالدكتاتور الذي ابتلى به المجتمع الإيراني بأسره ، بل ابتهجوا برحيل الديكتاتور وانتظروا بفارغ الصبر قدوم يوم جديد خلال فترة الاحتلال.

لكن خلافًا للاعتقاد السائد ، لم توفر فترة ما بعد رضا شاه ، حتى على المدى المتوسط ​​، فرصة لتجديد الحريات السياسية والاجتماعية والأمنية الموعودة في الدستور ولم توفر حق الأمة في تقرير المصير وتحقيق السيادة. فمحمد رضا بهلوي ، الذي حل مكان والده المخلوع بدعم من الدول المحتلة لإيران و خلافًا لليمين الذي أداه في اليوم الأول من الحكم الملكي بحضور النواب في البرلمان الثاني عشر لم يُظهر أنه يعتبر نفسه ملزما بالالتزام بالدستور ، الذي كان له دور هامشي ولا يتحمل الملك أي مسئولية تجاهه.

منذ بداية عهده ، بذل جهود سرية كبيرة ولا نهاية لها للتدخل بشكل غير قانوني في إدارة شؤون البلاد وخلق ضغوط وقيود على السلطات الثلاثة. منذ ذلك الحين ، أصبح البلاط نقطة محورية مهمة ومؤثرة في التفاعلات السياسية والأمنية الداخلية والتعاملات مع قوى التدخل الأجنبية والاستعمارية. وهكذا ، منذ بداية عهده ، لعب محمد رضا شاه دورا مستمرا في مسار إزالة الدستورية وانتهاك السيادة الوطنية للشعب الإيراني.

في هذا الفترة الجديد ، وبعد إنشاء منظمة السافاك ، والتي كانت في الأساس مشروعا أمريكيا ونتيجة لبداية واستمرار ما يسمى بالحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي ، ظهرت خطوة غير مسبوقة في عملية المواجهة العنيفة لحكومة بهلوي، مع المجتمع الإيراني. مع بداية الحرب الباردة ، التي يمكن تتبع تداعياتها حتى في السنوات الأخيرة من الحرب العالمية الثانية ، انتقلت إيران ، طوعا أو كرها ، على طريق التبعية للعالم الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية؛ إذ لا مكانة لحق السيادة الوطنية والمصالح السياسية الديمقراطية للشعب الإيراني، في ظل التنافس العالمي والإقليمي مع المعسكر الشيوعي. في ظل هذه الظروف ، خرج محمد رضا شاه بهلوي من مسار الالتزام بالقانون ، ودخل في معاداة الشعب ، وتبنى الاستبداد ، في سعي منه إلى إطلاق العنان لهيمنة غير تقليدية للقوى الغربية المهيمنة بقيادة أمريكا.

وهكذا ، حتى في منتصف الثلاثينيات من القرن الماضي ، كان من الممكن رؤية فشل طريقة ممارسة الحكم في الساحتين السياسية والاجتماعية لإيران بوضوح. في وقت سابق ، وبعد سقوط حكومة رضا شاه غير الخاضعة للقانون والمناهضة للديمقراطية ، كان هناك أمل ضئيل في عودة الطريقة الدستورية للحكم وممارسة السياسية في الساحة السياسية والاجتماعية في إيران ، وسرعان ما كشفت التطورات غير الطبيعية أن الدستورية السليمة ليس لديها أمل للبقاء على قيد الحياة وتعزيز موقعها في إيران. كان الانقلاب العسكري في 28 مرداد 1332 بقيادة بريطانيا أمريكا والذي تم تنفيذه بدعم كامل من محمد رضا شاه بهلوي والبلاط ، يمثل نهاية تلك الآمال القليلة التي أعقبت سقوط رضا شاه. يبدو أنه بعد تلك الأحداث اتجه المجتمع الإيراني تدريجيا يبحث عن خطط بديلة للسياسة والحكم وتحديد مصيره السياسي واستعادة سيادته الوطنية.

كان لخطاب الإسلام السياسي ، الذي تمحور حول الدين والمدرسة الشيعية ، دورا ومكانة فعالة في الحياة السياسية والاجتماعية للمجتمع الإيراني في تاريخ إيران الطويل. كذلك ، أثناء تشكيل الثورة الدستورية وتوسيعها وانتصارها ، وبالطبع في الصياغة النهائية للدستور ، نرى تأثيرا خطيرا وأحيانا حاسما جدا لخطاب الإسلام السياسي في النهوض بالسياسة الوطنية والأهداف والمثل الاجتماعية للمجتمع الإيراني.

خلال فترة حكم رضا شاه التي دامت 16 سنة ، شهدنا العديد من الجهود الخفية والوحشية للقضاء على مكانة الإسلام السياسي في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية للمجتمع الإيراني ، ولكن هذه الجهود المنهجية المعادية للمجتمع لم تنجح بسبب سقوط رضا شاه. كما هو الحال في العشرينيات من القرن المنصرم وما بعده ، نرى في عملية مستمرة ظهور خطاب الإسلام السياسي ومنافسته الفعالة بل والحاسمة مع الخطابات السياسية المتنافسة في الفرعين السياسي والفكري والفلسفي للرأسمالية الغربية والشيوعية. بالنظر إلى عدم قدرة الخطاب السياسي اليساري على اختراق طبقات اجتماعية ، والأهم من ذلك ، التشويه المتزايد للخطاب السياسي الدستوري (ويرجع ذلك أساسا إلى انعدام القانون ومعاداة الناس في نظام بهلوي) ، و هناك العديد من المؤشرات آنذاك تدل على أن الخطاب الإسلامي السياسي سيلعب في الحياة السياسية والاجتماعية المستقبلية للمجتمع الإيراني أدوارا أساسية ومحورية.

قبل الأربعينيات من القرن الماضي ، كان خطاب الإسلام السياسي يمثل تحديا كبيرا للحكم الاستبدادي وغير القانوني لحكم لبهلوي. أدت العراقيل السياسية وتوجه الحكومة لمحاربة المعارضين السياسيين إلى إضعاف خطاب التيارات السياسية المؤيدة للدستور بين مختلف شرائح المجتمع الإيراني. لدرجة أنه في أواخر الأربعينيات وعشية الخمسينيات ، لم يعد مؤيدو الأيديولوجية الإصلاحية للنظام البهلوي السلطوي والقمعي ، الذين طالبوا بالعودة إلى الطريقة الصحيحة للسياسة ضمن الإطار الدستوري ، مكانة في صفوف الشعب.

بدا أنه عشية الخمسينيات من القرن الماضي ، كان معظم النخبة السياسية والاجتماعية والثقافية في إيران ، المحبطين من أي إمكانية للعودة إلى الأساليب القانونية للحكم ، يفكرون بجد في اجتياز الدستورية وإيجاد أفق جديد وربما غير مسبوق في السياسة والحكم.

أظهرت التطورات السياسية والاجتماعية والثقافية في السنوات التالية أن الخطاب السياسي الإسلامي المتمحور حول العلماء ورجال الدين الشيعة المناضلين، أصبح الخطاب السائد بين الخطابات السياسية المؤيدة للنظام السياسي الحالي في البلاد والمعارضة له. وهكذا ، في نهاية عام 1355 وبداية عام 1356 ، اختبر محمد رضا شاه فضاءه السياسي المفتوح ، لكن لم يعد الفضاء السياسي والاجتماعي للبلد يقبل مثل هذه الخطابات السياسية المحدودة والفاسدة.

سرعان ما أصبح واضحا أن الدستورية (حتى لو كانت تُظهر كل إمكاناتها المحتملة والفعلية ، والتي لم يعد لديها القدرة على القيام بها) قد وصلت إلى نهايتها ، وأن المجتمع الإيراني كان على وشك الدخول في حقبة جديدة و مسار سياسي واجتماعي وثقافي جديد. و أظهر انتصار الثورة الإسلامية أن الإسلام السياسي رُقي إلى الخطاب المهيمن والحاسم في الحياة السياسية في المجتمع الإيراني. يمكن القول إن الدستورية والطريقة الدستورية للسياسة والحكم سرعان ما انتهت بل وحتى ماتت وهي في أوائل حياتها. وفي العملية التي أدت إلى موت الدستورية ، لعب ملوك البهلوية دورا كبيرا بلا شك.